الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
144
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
خلق الحياة ، لأنها أوضح مظاهر الخلق ومصاديقه . وهذا في الحقيقة يشبه ما نقرؤه في الآية ( 73 ) من سورة الحج : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ومع هذا الحال كيف يكون هؤلاء أهلا للعبادة ؟ التعبير ب آلهة من الأرض إشارة إلى الأصنام والمعبودات التي كانوا يصنعونها من الحجارة والخشب ، وكانوا يظنونها حاكمة على السماوات . وتبين الآية التالية أحد الأدلة الواضحة على نفي آلهة وأرباب المشركين ، فتقول : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون . هذه الادعاءات غير الصحيحة وهذه الأرباب المصنوعة والآلهة المظنونة ليست إلا أوهاما ، وساحة كبرياء ذاته المقدسة لا تتلوث بهذه النسب المغلوطة . 3 برهان التمانع : إن الدليل الوارد في الآية آنفة الذكر ولإثبات التوحيد ونفي الآلهة ، في الوقت الذي هو بسيط وواضح ، فإنه من البراهين الفلسفية الدقيقة في هذا الباب ، ويذكره العلماء تحت عنوان ( برهان التمانع ) . ويمكن إيضاح خلاصة هذا البرهان بما يلي : إننا نرى - بدون شك - نظاما واحدا حاكما في هذا العالم ، ذلك النظام المتناسق من جميع جهاته ، فقوانينه ثابتة تجري في الأرض والسماء ، ومناهجه متطابقة بعضها مع بعضها ، وأجزاؤه متناسبة . إن انسجام القوانين وأنظمة الخلقة هذا يحكي أنها تنبع من عين واحدة ، لأن البدايات إن كانت متعددة ، والإرادات مختلفة ، لم يكن يوجد هذا الانسجام مطلقا ، وهذا الشئ الذي يعبر عنه القرآن ب ( الفساد ) يلاحظ في العالم بوضوح . إذا كنا من أهل التحقيق والمطالعة - ولو قليلا - فإنا نستطيع أن نفهم جيدا من خلال تحقيق كتاب ما ، أن كاتبه شخص واحد أم عدة أشخاص ؟ فإن الكتاب الذي يؤلفه شخص واحد يوجد انسجام خاص بين عباراته ، ترتيب جمله ، تعبيراته